سوريا وتركيا وئام أم خصام

رودي جافشين

 

هناك عصور تاريخية تهم بعض الاثنيات وإن ما يهم الشعب العربي عامة والسوري على وجه الخصوص من جهة، وبنفس الوقت يهم الشعب الكردي في كردستان عموما وفي كردستان سوريا خاصة هو عصر الاستعمار العثماني نظرا لمخلفاته التخريبية وآثاره السلبية والمدمرة لكافة مناحي حياة هذين الشعبين بشكل كبير ولازالا يعانيان من تلك الآثار حتى الآن.

 

ومعلوم أنه لم يتم انهاء الاستعمار العثماني المقيت الذي زرع الخلاف والمرض والجهل والفقر بين الكرد والعرب إلا بمساعدة جادة وقوية من قوى خارجية عن المنطقة وشعوبها وبدماء أبناء الشعبين الكردي والعربي في الربع الأول من القرن العشرين.

 

لقد قامت الدولة التركية الحالية على أنقاض الامبراطورية العثمانية بشكلها الشوفيني العنصري النازي الفاشي، ومنذ قيامها سعت لانشاء علاقات متينة مع الغرب ودخلت معه في أحلاف عسكرية استعمارية كان آخرها الحلف الثلاثي الأمريكي التركي الاسرائيلي وذلك لبسط نفوذها على جوارها والسيطرة على مقدراتها، وما اقتطاع لواء الاسكندرون فيما مضى إلا واحدة من المكاسب التي جنتها الحكومة التركية من تلك الأحلاف.

 

ومنذ نشوء الدولة التركية الكمالية فهي تسعى بشتى الوسائل لضم الأجزاء الشمالية من سوريا إلى خارطتها بما فيها حلب. وخاصة في عام 1957-1958 عندما حشدت قواتها العسكرية على طول الحدود الشمالية مع سوريا وكاد أن يتحقق لها ذلك لولا أن هب أبناء الشعب الكردي على طول هذه الحدود للدفاع عن سيادة الوطن وحدوده، كما لا زال يراود ساسة وجنرالات الأتراك حلم ضم لواء الموصل (كردستان الجنوبي) الملحق بالعراق إلى تركيا ومحاولتهم الأخيرة واستفزازاتهم في كركوك وتصديرالإرهاب إليها خير دليل على أنهم لا زالوا يحلمون كما حلم به البعثيون الطامعون العنصريون وحاولوا تحقيقه.

 

يبدو أن المتنفذين في الحكم البعثي بسوريا لا يتذكرون كل هذه الحقائق وقد ألغوا لواء الاسكندرون السليب من خرائطهم الجديدة، وبالمقابل يغيرون أسماء المناطق الكردية وتعريبها، كما نسوا حرص تركيا على قطع الماء عن سوريا وتهديداتهم المتكررة لها، كما نسوا استيلاء الجيش التركي في الأعوام الأخيرة على مساحات شاسعة في جبل بالقرب من قرية (الحمام) بناحية (جنديرس) وعند قرية (ديرصوان) شرقي ناحية (بلبل) دون أن تحرك القيادة السورية ساكنا ولو باحتجاج.

 

يبدو أن هناك فئة في القيادة السورية تريد الاستعجال بنهاية حكم الرئيس الحالي الدكتور بشار الأسد فيدفعون به إلى مواقف ارتجالية تزيد من أعدائه في الداخل والخارج، وبخاصة موقفه الأخير من الفيدرالية لكردستان العراق. هذا الموقف المعادي للشعب الكردي والمشبوه لسوريا وتركيا تجاه الفيدرالية التي تبناها برلمان كردستان العراق وطرحه كمشروع على الشعب العراقي وقواه السياسية المختلفة، وهو موقف ندينه بشدة في حين نؤيد وبقوة مبدأ الفيدرالية القومية ونعتبره شأنا داخليا يخص الشعب الكردي في العراق، وما تقوم به الحكومتان السورية والتركية يشكل تدخلا سافرا في شؤون الغير (العراق) وخرقا فاضحا للقانون الدولي ومبادىء الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان واللوائح والمعاهدات الدولية، وتأزيم للوضع الأمني في العراق وتأخير لنقل السلطة والسيادة إلى الشعب العراقي وتشجيع للإرهابيين، ويفتح المجال واسعا للقوى الخارجية والدول العظمى للتدخل في شؤون وطننا الداخلية وتفريط بمصالح شعب سوريا الوطنية.

 

وأخيرا، فإن ما تقوم به الحكومتان التركية والسورية معا يعطي الحق المبررلأكراد كردستان سوريا وكردستان تركيا للتعاون فيما بينهم وللاتصال الخارجي لوضع حد لمأساتهم وحل ديموقراطي لقضيتهم المستعصية. ولذا فإننا نناشد في الوقت ذاته كافة شرائح المجتمع الكردي وأطيافه السياسية المختلفة في الجزأين توحيد جهودها في كل جزء والتعاون فيما بينها على مستوى الدولتين السورية والتركية وتنظيم المسيرات الاحتجاجية والمظاهرات والاضرابات والاعتصامات للتأثيرعلى مسارالحياة السياسية في البلدين.

 

24/1/2004