هل بعد الخطوط الحمراء أمل؟

جان كورد

 

لا يخفى أن من أطراف حركتنا الوطنية الكردية في سوريا من وضع آماله في إقامة نظام اشتراكي تقدمي لا يفرق بين المواطنين بسبب العرق أو اللون أو الجنس، قبل وصول الرئيس السوري السابق حافظ الأسد إلى الحكم عن طريق ما يسمى بالحركة التصحيحية، ولكن خاب الأمل بتطبيق حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم سياسة كريهة ضد الشعب الكردي في كردستان سوريا على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وراهنت أطراف كردية أخرى طوال عهد الرئيس حافظ الأسد ومنذ استيلاء ولده الدكتور بشار الأسد على سدة الحكم على الإصلاحات الموعودة في سياسة الحكومة وعلى كونهما ينحدران من أقلية من أقليات الشعب السوري العديدة، لا بد وأن يشعرا في يوم من الأيام بحاجة نظامهما إلى الكرد الذين يشكلون القومية الثانية في البلاد في وجه المخاطر التي ربما تتعرض لها طائفتهم من قبل الأكثرية العربية التي تعمل كل ما في وسعها للسيطرة على الحكم. ولكن يبدو أن مثل هذه التفسيرات للأوضاع السائدة في البلاد كانت ساذجة وبسيطة وغير ملائمة للواقع الحقيقي للتركيبة الحاكمة وللحزب المنتفع من الوضع ومن منحه الولاء المطلق للعائلة الأسدية التي انتقل فيها منصب رئيس الجمهورية بنفس السهولة التي انتقل فيها العرش الملكي الأردني، مصحوبا بتصفيق حاد من قبل مجلس الشعب الذي يمكن بحق تسميته بمجلس " ضد الشعب"، نظرا لما يقوم به من خدمات جليلة لديمومة النظام البعثي الشمولي، بل يعتبرأهم أدواته غير العسكرية.

وفي حين فقد معظم أبناء وبنات الشعب الكردي ثقته في أن يأتي نظام البعث بأية إيجابيات له فإن بعض أجنحة الحركة السياسية الكردية لا تزال – وللأسف – تأمل في أن يحدث شيء ما في عقل النظام ودماغه فيغير من سياسته العنصرية ضد الشعب الكردي وسياسته المغايرة لمصلحة عموم الشعب السوري القائمة على التفرد بالسلطة وشراء الذمم واستخدام شتى صنوف القمع والتنكيل بالمواطنين بهدف استمرار سياسة الاخضاع الشامل للشعب، بحيث تحولت سوريا إلى "دولة مخابرات" وفقدت المؤسسات الحكومية قيمتها أمام سطوة هذه "الدولة السرية". ولكن هذه الأطراف الكردية المتفائلة حتى الآن لا تعلم ماذا يمكن أن يحدث في قيادات البعث وأجهزة الاستخبارات وطابور المنتفعين من بقاء النظام واستمراره، إذ دلت المرحلة الماضية من "العهد الجديد!" الذي لم يحدث فيه شيء جديد على أن ما سمي بربيع دمشق كان مناورة كبيرة ضد الديموقراطيين وأن البعث غير قادر على القيام بمراجعة نقدية شاملة لأخطائه، كما أن السياسة السورية الخارجية قد دخلت نفقا مظلما بحيث لم يعد المواطن يعلم ما هو الاتجاه الصحيح لهذه السياسة، كما أن الاضطراب في المواقف الرسمية السورية والضغوط الخارجية قد أحدثتا خللا كبيرة في السياسة السورية وبخاصة بعد أن تم تحرير العراق من شرذمة صدام حسين المجرمة.  ومن ناحية أخرى فإن الوضع الاقتصادي سيء للغاية والطبقات الفقيرة تئن نتيجة هذه السياسة بوجه خاص.

لقد كشف النظام البعثي السوري القناع عن وجهه تجاه القضية الكردية في العراق الذي لا يحكم فيه فكيف يكون موقفه تجاه القضية الكردية في البلاد التي يحكم فيها؟ وها هم المناضلون الكرد يواجهون لدى استجوابهم ومحاكمتهم تهمة "اقتطاع جزء من الأراضي السورية" وليس لأي حزب كردي في سوريا منهاج أو برنامج سياسي يدعو إلى ذلك الاقتطاع أو الانفصال؟  أليس هذا محاولة سافرة للقضاء على أي طموح قومي كردي كان حتى على مستوى المطالبة بالحقوق الإنسانية التي وقعت على شرعيتها سوريا بنفسها رغم كل حوارات الحركة الكردية السورية مع أتباع النظام وأجهزيته الأمنية طوال السنين الماضية؟

برأيي هناك فقط طريقان أمام الحركة الوطنية الكردية السورية بعد أن ادعى رأس النظام البعثي وجود خطوط حمراء للشعب الكردي لايحق له تجاوزها، وهما:

 

- إما أن تكون مع النظام وتظل راكبا سفينته المثقوبة ثقوبا عديدة وهي في طريقها للغرق بعد أن فشل البعث فشلا ذريعا في تحديث سوريا أو انهاض قوى الشعب السوري أو تخفيف معاناته اليومية.

- وإما أن تنفض غبار هذه السياسة الخانعة، سياسة التبعية والاستجداء والآمال الكاذبة والوعود الخادعة وتلحق بركب المعارضة الحقيقة التي تستهدف إسقاط هذا النظام الفاشل سياسيا واقتصاديا وعمرانيا واجتماعيا، وبناء سوريا حديثة على أنقاض هذا الركام الهائل من المشاكل.

وإلا فإن التاريخ سيجرف بها وبتنظيماتها وبسياستها التي لا تقوم على استيعاب التطورات الكبيرة على المستوى العالمي. وعندها ستشعر بأنك – أخي المناضل- قد أخطأت الاختيار وجنيت على نفسك وعلى شعبك الكردي، على الرغم من أن نيتك كانت حسنة وكنت تناضل بقوة من أجل حقوقه طوال عمرك.

بعد أيام قلائل ينعقد المؤتمر الثاني للتحالف الديموقراطي السوري في بروكسل أي في قلب أوروبا وستجد بأن الذين يعارضون هذا النظام بشكل صحيح يزدادون قوة ويكثرون عددا، وذلك لأنهم قد اختاروا طريقا غير الذي أنت عليه، وهم يرفضون استجداء النظام أو التذلل له أو التقرب إليه وإنما يعلنون مخاصمتهم له وتحديهم له ويصرون على انهاء الوضع المائل الذي عليه بلادنا... فهل لكم ياقادة الحركة الوطنية الكردية أن تعلنوا لنا أي الطريقين قد اخترتم: - طريق الوقوف إلى جانب النظام أم الطريق المعاكس له؟ ليعلم منتسبو تنظيماتكم ومعهم الشعب الكردي أي أنتم الآن؟.. نحن في انتظار سماع رأيكم فيما نطرحه عليكم هنا، ونأمل أن يكون جوابكم إيجابيا ومتماشيا مع مصالح الشعب السوري عامة والشعب الكردي خاصة.