أنموذج من رائعات الكاتب الأردني نعيم الغول

(الطلقة والرأس)

هذيان

هز البروفيسور  ديفيد شتاين  أستاذ علم  النفس الاجتماعي في جامعة(اكسوايزي) رأسه وهو ينظر إلى بطاقة  تشخيص الحالة التي وردته من أحد الأصدقاء شرق الأوسطيين . وبعد أن وضع سماعة الهاتف  دَوَّن ملاحظات زميله الدكتور برايان والاص ، ثم عاد وطلب الرقم المقابل لكلمة الاتصال المباشر وقال : " هاي . شتاين يتكلم . تحليلنا لحالة خلط المريض بين هولاكو وبوش،  وشارون و هتلر وجدار الضفة وجدار برلين بأنها ضرب من " الهذيان الأصولي "، وتعبير عن نوازع إرهابية غائرة في اللاوعي . وبما أن الكاتب المعني أصولي؛ فأنصح بأن تسلطوا عليه أصدقاءكم من العلمانيين . ستجد الكثير منهم في الصحف والمجلات والحانات والمواخير  وبجانب أربطة أحذيتكم.

 

الطلقة والرأس 

قال :" سأغير !"

وكان قلبه وعقله وأطرافه تعزف لحنا واحدا.

وفجأة ، سمع صوت زجاج نافذته يتهشم ، وطلقة تسكن رأسه؟!!

 

عن الجرائد والرمان

حين مد قدمه إلى تلك الجريدة ليدفع بقصة جديدة للنشر، لمح بعض الوجوه التي ذكرته بأسماء تستوطن الصفحات  كنتساريم" في القطاع.وحامت الأسئلة في زوايا مخه وظلت تئز . دس يديه في جيبيه عاجزا فوجدهما فارغين، وسقطت عيناه على صدره ؛ فوجده بستان رمان خرب، واستقرتا على ساقيه فأحسهما  كخشب "الطوبار ". "فقلب" وجهه وخرج.

 

إهتراء

بعد أن اهترأ القفل على شفتيه، وبعد أن اهترأ لسانه الساكن في قعر فمه، وبعد أن اهترأ حلقه ، وبعد أن اهترأ العشب الأخضر على قمم جبال وطنه، وبعد أن اهترأ الغلاف الجوي الذي يتنفس .

 تكلم ..

لكن الآذان كانت قد اهترأت أيضا. 

 

حلقة الصمت

كانت الفرصة مواتية له تماما.

 الآن يستطيع  أن ينتصف من كل  الذين ظلموه. سيلاحقهم في منامهم و صحوهم .. ولعبهم وجدهم و حين يأكلون وحين يشربون  ...

سيكون ظلهم المرعب .

وحين بدأ بالضحية الأولى على قائمته الطويلة ،وجد أن  يده  لا تمتد لتمسك بالأشياء ، وان الضحية  لا تراه ،ولا تسمعه ، و لا تشعر بوجوده . أصمم ذاك  أم عمى أم جنون ؟

فاجأه الجواب كثيرا ،فعاد إلى صمته الذي كان عليه في الحياة الدنيا.

 
خطيئة لا يغفرها الرب

سرحت بنظرها  إلى الجبال القاتمة اللون التي تطوق المستوطنة من بعيد. هالها حجم الصخور  والحجارة التي تحملها تلك الجبال. أزاحت وجهها بقوة عن النافذة، والتفتت نحوه وهو  يمشط  الخصلتين الطويلتين المنسدلتين من فودي  ابنهما .

همست :

" يتسحاق  هل نحن زناة ؟؟‍"

انتفض صعقا وقال:" أولغا  هل جننت . نحن مؤمنون ولا نزني ؟‍"

-        إذن لماذا يرجموننا بكل تلك الحجارة ؟!!"

 

كشف حساب

بدأت زهرتها بالتفتح ؛فرفضت القائمة المحددة بالممنوعات. وأدارت ظهرها لأشياء كثيرة. وحين بدأت أوراق  زهرتها تتساقط تذكرت أشياء كثيرة .

ولما سقطت آخر الأوراق .. .. ..

  لم تجد إلا الله  والذكريات.

 
الرجل الذي بصق على نفسه

 خرج من هناك . وقف أمام  المكان قليلا . هم بمتابعة طريقه. لكنه تنبه فجأة إلى انه عار تماما. أحس بان بطنه كالربع الخالي . في اللحظة التي حاول فيها الهرب اتضح له أن الأصفاد اثقل من أن تسمح له بذلك.

عندها بصق على نفسه لأنه دخل مصرفا.

 
خلع

 بعد سلسلة لقاءات توعية وتثقيف في  أحد الصالونات الثقافية ،شعرت انه لا بد من تجديد في البيت .فقالت للنجار : اخلع هذا المسمار،وذلك الإطار، وذلك الشيء .

ثم سألته بفضول : هل تعرف طريقة لخلع الزوج؟

 

سقوط

لاحقت عيناه التفاحة وهي تهوي على الأرض من أعلى غصن في الشجرة . ولم يفته ارتعاش أوراق صفراء أخرى، وهي تنزل ثم تستقر على الأرض جافة لا أمل في عودتها.

لم يفكر في نيوتن ولا قوانينه . لم يفكر كذلك في الحياة أو الموت.

فكر فقط في أن المسألة مسألة وقت .

عندها صار ضروريا أن يختار بين الحركة أو الانتظار .

 

صيف المدينة

في كل صيف يجمع مؤونة أشهر، يغلق الأبواب ، وينزل إلى بئر السلّم ، ويقاطع الشوارع طيلة الصيف.

ومن خلال العتمة التي لا تتيح له أن يرى شيئا ،كان يذكر نفسه دائما بأنه حاول أن يغض البصر كثيرا حتى تعب من السقوط على وجهه.

 
الخارطة

دفع إليه بورقة ملفوفة : " هذه هي الخارطة ، ستدلك على الطريق ."

-        "هل ستوصلني إلى هدفي ؟"

-        " ما هدفك ؟"

-        " أن ارتاح ."

-        " سترتاح بالتأكيد، ولكنك ستضحي وتتعب حتى تصل إلى نهاية الطريق ."

وحين وصل إلى نهاية الطريق لم يكن قد تبقى منه سوى قدميه، وضبع آخر ينتظر بفارغ الصبر.

 

تداول للسلطة

اتفقا على تداول السلطة  في البيت. وأن ينفذ كل منهما ما يأمر الآخر.

اليوم الأول كان يومه . نسيت أن تعد قهوته ،فوبخها . وكسرت كوبا،  فشتمها، رفعت صوتها محتجة، فصفعها.

وانتهى اليوم وهي تتوسد ذراعه بعد أن اقسم إن عقله لم يكن معه.

اليوم التالي كان يومها. لم يقل لها "صباح الخير يا حبيبتي" . فأمرته أن يغسل السجاد، وينظف المطبخ،  ويلمع حذاءها . سألها إلى أين هي خارجة، فحلفت بأن تخلعه . رفع صوته محتجا. فأشارت إلى الباب وقالت :" برّه !"

مع أن النهار لم يلوح بعد بيديه مودعا.

 

المدينة والحصان

حين كان بدويا في الصحراء كان يركض كحصان بلا سرج .

وكان أيضا ينام على الجنب الذي يريحه .

وعندما دهمته المدينة وتعلّب في إسمنتها؛ صار حصانا مسرجا يطوق فمه حبل، وينام على الجنب الذي يريح غيره.

 

حمل كاذب

جاءها المخاض،

فاستندت إلى جذع النخلة القديمة الوارفة . هزتها . . أخذت نفسا عميقا وكزّت بطنها ودفعت لكن المولود المنتظر لم يأت.جاءها المخاض ثانية ،فاستندت إلى إطار سيارة ( شفر) طويلة فاخرة. أخذت نفسا عميقا وكزّت بطنها ودفعت لكن المولود لم يأت.جاءها المخاض ثالثة . وحارت ِإلامَ تستند . ولم تدفع. وظلت تنتظر . عيونهم تراقب بطنها ، والأرض من بين رجليها . وتصارخ أصحاب الحمل وأولياؤه ومحبوه و كارهوه واختلطت دعاواهم . قال نفر منهم :" النخلة القديمة هي السبب." قال نفر آخر :" بل السيارة الغريبة  هي السبب."

بصقت عليهم وقالت :" بل ظهوركم الناشفة هي السبب."