من قال بأن الأكراد يريدون الفيدرالية؟

 

 

جان كورد

 

لنبدأ هذه المرة من المطبخ أيها السادة!

تصور أنك جالس مع عائلتك في مطعم فلا يأتي السيد الجرسون إليك ولا يسأل عما تطلبه على المائدة ، ولكنه يأتي بطعام ويضعه أمامك وأمام الأهل ويقول:" أعتقد بأن هذا ما كنتم تريدون تناوله وهو ملائم لكم وستقبله أمعاؤكم حسب ظن الطباخ وحسب اختياري!" فماذا سيكون جوابك للسيد الجرسون في هذه الحال؟

وإذا كنا متفقين على أن دور الحزب في المجتمع هو نفس دور السيد الجرسون أو الطباخ في أحسن الأحوال بالنسبة إلى الشعب ، فإنني مقتنع بأن على أحزابنا الكردية في كردستان الجنوبي (كردستان العراق!) العودة إلى الشعب الكردي ووضع صندوق الاختيار أمامه وسؤاله:

- ماذا تريد أيها الشعب الكريم؟ حكم ذاتي، فيدرالية، أم استقلال؟ وإلا فإنه يقدم للشعب طعاما ربما لايتلاءم وصحته أو لن يقبله البتة.

هذا إذا كانت هذه الأحزاب – كما تدعي – تؤمن حقا بالديموقراطية التي أصبحت قميص عثمان يرتديه من يشاء حتى السيد مقتدى الصدر وأشباهه الذين يأملون بمظاهراتهم وهتافاتهم في المدن العربية دون الكردية إثبات أن الشعب الكردي لايريد استقلالا ولا فيدرالية ولا حكما ذاتيا ولا البنطال الكردي الفضفاض، وإنما حكم مرجعية شيعية وقفطانا عربيا. 

وتصور  - ياسيدي - أن هناك جماعة من الضيوف في الناحية الثانية من المطعم يملون على السيد الجرسون والطباخ ما يجب عليهما تقديمه لك ولعائلتك. وهذا هو حال المثقفين العرب من المغرب العربي أو من شمال أفريقيا وهم يدعون ويزعمون بأن الفيدرالية لا تناسب الشعب الكردي في كردستان العراق، أو أن فيدرالية المحافظات في العراق أفضل من فيدرالية جغرافية قومية لكردستان، دون أن يعرفوا شيئا عن طموحات الشعب الكردي الحقيقية.

منذ سقوط النظام البعثي والقوى والشخصيات المختلفة في العراق وخارجه تتحدث عن ضرورة إقامة نظام ديموقراطي على أنقاض دولة الإرهاب الصدامية، حتى أولئك الذين يحاربون الديموقراطية في بلادهم ويكرهون الذين يدعون إليها ويسجنونهم ويعذبونهم قد انقلبوا إلى مطالبين بالديموقراطية للعراق. وهاهم أيضا علماء الشيعة الذين لا يطبقون الديموقراطية في محافلهم ومنهم من لا يؤمن بالديموقراطية أصلا صاروا يتهمون أمريكا بالحيلولة دون الديموقراطية والانتخابات في العراق.

ومن شروط الديموقراطية الإيمان بالصندوق، نعم بصندوق الانتخاب، للإطلاع على رأي الشعب في كل أمر من أمور المجتمع. وهذا ينطبق بالتأكيد على الشعب الكردي أيضا إن اعتبره الشمال أفريقيون أو مثقفو المشرق العربي جزءا من الشعب العراقي. فهل سأل السياسيون الشعب الكردي يوما فيما إذا كان يريد الفيدرالية أو سواها من نظم التعامل مع الحكومة المركزية؟

لا أشك في أن السادة الأكراد أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ، ومن بينهم السيد جلال الطالباني والأخ مسعود البارزاني، مطلعون جميعا على رأي الشعب الكردي في عمومه، ولكن هناك انتخاب واحد قد حدث في كردستان العراق ألا وهو انتخاب عام 1992 الذي أظهر أن كثيرا من الأحزاب والشخصيات التي كنا نتوقع نجاحها فيها لم يحصلوا إلا على نسبة ضئيلة جدا جدا من أصوات الشعب الكردي والذين لم يكن يتوقع المراقبون نجاحهم أصلا كالحركة الإسلامية في كردستان العراق حصلوا على أصوات أكثر من الآخرين، طبعا لاشك فيه أن الحزبين الأساسيين في كردستان، الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يتمتعان بتأييد كبير في كردستان، ولكن برأيي لن يضر استفتاء شعبي – حسب المعايير الديموقراطية السليمة - عما إذا  كان هذا الشعب الذي يتحدثون بإسمه في المحافل السياسية يريد الفيدرالية حقا، وسيكون أي استفتاء في هذا الصدد خطوة نحو انتخابات عامة وتجربة تتم الاستفادة منها في تطوير العمل الانتخابي مستقبلا، ولا أعتقد بأن الأمم المتحدة أو قوات التحالف سترفض نتائجه، وأعداء الكرد وكردستان سيعلمون عن طريق مثل هذا الاستفتاء ماذا يريد الشعب الكردي حقا.

ومن الأفض أن يكون السؤال – برأيي – على هذا الشكل:

- هل تريد أيها المواطن الكردي:

                    - حكما ذاتيا لكردستان العراق ضمن الدولة العراقية على ضوء اتفاقية 1970

          -  فيدرالية جغرافية قومية لاقليم كردستان العراق ضمن إطار الدولة العراقية.

          - دولة كردية مستقلة

وبهذا يمكن معرفة الحقيقة التي بدونها لا يمكن القيام بعمل سياسي ناجح وجيد.

وآمل أن يسمع قادة الأحزاب الكردية صوت الشعب الكردي من خلال استفتاء رأيه في كل المسائل التي تتعلق بمصيره لا من خلال تقارير أعضائهم وأنصارهم فقط، فلا ديموقراطية دون رأي الشعب وهل هي إلا حكم الشعب من قبل الشعب؟.